تأملات في «حجر صغير» لحنون مجيد

مهدي علي ازبيّن

عاند الكاتب حنون مجيد كل متاعب الحياة ويخلق من عتمتها قطعاً فنية، أدواتها الحروف تتوالى في سطور تنضح صدقاً وجمالاً، فقد عرفناه مشتغلاً في مجال القص (القصة القصيرة، القصيرة جداً، وقصص الأطفال)، فضلاً عن منجزه في الرواية، كذلك كتابته للمسرح.

بين أيدينا آخر إصدارات الأستاذ حنون مجيد التي سطر فيها مسارات تحولاته الوجودية والفكرية، متجرداً عن ذاته وكأنه يكتب سرداً ذاتياً على شكل تداعيات تخص الكاتب أو سرداً نفسياً؛ فيخرج عن ذاته، ويحولها إلى شخص آخر حينما يلجأ إلى ضمير الغائب.

رمزية العَنوَنَة

التقط الكاتب العنوان من خلاصة المقدمة التي عرّف عبرها دواعي الكتابة والتصدي لمهمة التسجيل والتعريف بأجزاء من شريط حياته، فيقول عن هذا العمل: «يمثل حجارة في تشكيل هيكل الهرم العام» (ص:9)

الحجارة هنا تعني الكتاب، التي أحالها إلى عنوان بـ {حجر صغير}، وهذا الحجر سيدخل في معمار التشكيل الإنساني، ويكون لبنة تدعم البناء الإبداعي المتعاظم، وفي هذا السياق نستعير عن بورخس قوله: «إن كل شعراء العالم وكتابه يكتبون في كتاب واحد».

لقد حركت حجارة حنون، أو الحجر الصغير عملية التلقي ودخلت في مسارات التأويل، فالحجر بحجمه الافتراضي يمثل سفر حياة لرمز ترك بصمة في مجال الكتابة الأدبية، وكذلك الحضور الإنساني الفاعل، وهذا الحجر يحرك سطح بحيرة يكتنزها صاحب السيرة، ليضعه بين أيدي أحبائه وأصدقائه، ويكشف لهم ملامح عن كيفية تشكل شخصيته وجذورها ضمن المحيط الذي نشأ فيه، ويحاول استرجاع المحطات التي مر بها، ومصادر ثقافته والشرارات الأولى لاكتناه أسرار الوجود، ويسجل أولى لحظات تشكّل وعيه، ومحاولاته المبكرة في مغامرة الكتابة الإبداعية.

التصدير

صدّر الكاتب منجزه بعبارة: «كان دخوله سريعاً مربكاً كريح عالية الهبوب»، ثم يتبعه من قصتها (كرستال) (ص:5)

وهنا يدخل المتلقي بتأمل لحظي؛ من الشخص المقصود بسريع الهبوب، ومن هي صاحبة القصة {كرستال} المتمثلة في ضمير (الهاء) في قصتها..

يبقى هذا التفاعل مضمراً حتى الوصول إلى المقطع المعنون {بعد حياة هادئة} (ص:214)، والجزء الذي يليه الذي يحمل عنوان {كرستال} (ص:225)، في الأول ندخل فضاءً سردياً، يطلعنا فيه صاحب السيرة {حنون} على تفاعل عاطفي بينه وبين امرأة يبدو أنها كاتبة، وقد حصل بينهما استلطاف وانجذاب متبادل، بدأ بنظرات وإعجاب، واغتنى عبر تواصل أدبي وإنساني، لكنهما لم ينصاعا لرغبات العشاق الملهوفين، وبقيت علاقتهما تشعّ ببراءة الطفولة، تحاكي قصص الحب العذري.

وقد حفّز هذا العشق الملتزم أن تقدم تلك المرأة على رسم معاناتها ولهفتها على ورق الحب، تصف فيها حالتها النفسية، وكيف تغلغل ذلك الإنسان واحتل كل مسامات إحساسها، لكنها تضع فرط مشاعرها تحت السيطرة، وتكتفي بأن يكونا في هذا المستقر من حريق العواطف الملتهبة، وألا يقدما إلى ما بعد ذلك، وقد وصف النص تقاطر الدمع من مآقي الحبيب بـ{كرستال}، في مشهد صوفي لحب مخذول، ومن الدموع المتفردة النقاوة أخذ النص عنوانه.

لغة الخطاب

تراوحت الأنساق اللغوية بين التسجيلية، وانطوت على انتقالات سردية باللجوء إلى عين الكاميرا الثابتة والمتحركة، وكذلك بعض التراكيب البلاغية العالية التي اقتربت من لغة الشعر، وحلقت على أجنحة المشاعر، وهي ترسم الانفعالات النفسية التي توّجها نص {كرستال}.

ويمكن للمتلقي التقاط تراكيب لغوية تقترب من روح الحكمة والمقولات الفلسفية، حين يسطر الكاتب مقطوعات أو ومضات، تولد لدى المتلقي صوراً ذهنية باهرة.

في هذه المساحة الكتابية لا يمكننا الإحاطة بكل جوانب تحليل الخطاب، لكننا نلمح إلى بعض الالتماعات اللافتة: فبعد رفقة السفر وما تنطوي من ألفة ووداعة؛ يكتشف الكاتب مآلات هذه العلاقات المؤقتة، فيخلص إلى أن: «صداقات السفر.. تنشأ كما لو أنها قدر مكتوب» (ص:35).

ويصوّر الصدمة في نفوس الناس بعد أن هللوا لثورة 14 تموز، واستبشروا بها خيراً، إذ كانوا يرون فيها الأمل في الانفتاح على سبل التقدم والرفاهية، لكنها ذهبت أدراج الرياح، فيصف نهايتها المأساوية وصدمته النفسية التي تولدت عنها، ويطلق لسان قلمه ليصرح: إنها «كانت كحلم جميل يفزّ النائم بعده على كابوس ثقيل سيمكث طويلاً ولا يفارق عيون الناس» (ص:72).

وفي ظروف السجن؛ كان السجناء يسهرون مع الأغاني التي تبثّ بشكل مباشر، يطربون لها، ويحلقون مع الموسيقى؛ فتمتلئ أفئدتهم بالمحبة والصفاء وينسون صفاقة الجدران التي تحجبهم عن الحياة في الخارج، ومع الفجر يتذكرون أنهم فاقدو الحرية ومحتجزون في معزل عن العالم الخارجي، فتشعّ ملكة الكاتب بلوحة نفسية: «ان الأفراح الصغيرة لا تُنسي الآلام الكبيرة» (ص:122)

وبعد تجربة السجن القسرية وما تضمنته من اصطفافات بين السجناء أو بين السجين وسجانيه، يخلص الكاتب إلى أن «الحياة خارج السجن هي إحدى سمات الحرية المضمرة، أي التي بلا بيان أو إعلان ولا يعرفها جيداً إلا من دخل السجن» (ص:128).

فضاء العمل

وفي مواجهة من يجنح إليه بالإساءة، يفضل الكاتب اللجوء إلى التعفف في مجاراة المسيء وحتى الصفح عنه، مؤمناً بالسلام الداخلي الرصين، لكنه يعاني في طريقة التعامل مع المسيء وكيفية احتواء الإساءة، فيحدّث نفسه «ان أعيش نظيفاً لأكون سعيداً كان ذلك في الحق شيئاً عسيراً» (ص:168).

ولمجابهة التصحر في فضاء العمل أو الوجود الإنساني؛ يرى أنه لا بدّ من حضور المرأة، فالفضاءات التي تخلو منها؛ تغدو خاوية لا طعم لها، فأي مكان فيه امرأة «هو مكان فيه ثمرة مهما كان لونها أو نوعها، لأنها تلوّن الأحاديث، وتهذب السلوك، وترسم الأماني، وتغني القلوب، وتثير الأسئلة، وتكثر الظنون!» (ص:173).

وحين واجه الكاتب جثمان الشاعر مظفر النواب، وأبحر في عينيه الموحيتين بخطاب غريب، ليقرأ ما تودّان البوح به، ويكتشف أن ما يرسمه الشعاع الصادر منهما أكبر من فهمه والتوصل إلى غاياته، فهما ساهمتان في اللانهاية الغارقة في الإبهام، وأن هناك كثيراً من الكلام لا تستوعبه لغة، فيرسمها بصورة فلسفية: «الحقيقة تنام في أكيد مجهول مجهول، هو الجواب الصارم والبعيد الذي كل شيء دونه خطأ وباطل وسراب» (ص:266).

لقد التجأ حنون مجيد إلى تلافيف ذاكرته، لينقب في زواياها، ويستعيد جوانب من سيرته، ويسطّرها بحروف مضيئة، تشكل بمعمار خطابها صورة قلمية عن الكاتب، ويرسم التفاصيل الدقيقة لخلفية هذه الصورة الشخصية.

ملامح السرد

تدخل المذكرات أو السير الذاتية في أعمال أدبية كثيرة، وتكون عماداً مؤثراً في البناء السردي، أو أنها تدوّن في سياق وثائقي اقرب للتسجيل، تؤرشف لحياة شخص ما، أو جوانب من تفاصيل تخص مراحل حياته منذ انزراعه كنبتة في بيئة مرشحة للنمو حتى لحظة التدوين.

تمثل السرد في (حجر صغير) لحنون مجيد من خلال لمحات مبثوثة فيه، منها طريقة وصف الكاتب لعلاقته الطفولية مع الكلاب، وكيف يشعر بقربها منه، وهي بالمقابل تفهمه ولا تبدي سلوكاً عدوانياً نحوه، وقد أورد مقطعاً عن كلبهم الحارس الذي سُفّر مع الأسرة وحمولتها، بعد أن نفّذ الأب قراره بالإجلاء عن مرتع طفولة الكاتب، ليتفاجأ بالكلب بعد أيام، وقد عاد إلى موطنه الأول قرب الكوخ وأطراف المضيف..

كذلك تصويره بلغة مشهدية لعملية (إعدام كلب) من قبل صاحبه بعد أن شاخ وفقد النظر، وأمسى كائناً عدوانياً بشكل مباغت.

وفي تضاعيف الكتاب يمكن ملاحظة صور فنية تسرد التنقلات الحياتية بيومياتها، وكأن الكاتب التجأ إلى التداعيات أو السرد الذاتي، وفي بعض الصفحات كان يسرد بالأسلوب النفسي أو العاكس، حين يتحدث عن حنون وقد وضعه أمام مرآة، ليدوّن ما يرشح على سطحها.

يفتتح الكتاب بمجتزأ عنوانه {النشأة} (ص:10)، ويبدأ الكاتب برسم صورة بانورامية عن البيت الذي ترعرع فيه وكل ما يحيط به، ينفتح المشهد على بيت ينتصب على ضفة نهر وقربه {مضيف}، ثم يدخل متابعاً ما يجري في البيت والمضيف، فالبيت للعبادة وقراءة القرآن، والمضيف ملتقى يتوافد عليه الناس في المساء، ليحييوا جلسات سمر على وقع الهاون الذي يطحن قهوة ستدور على الضيوف بفناجين أنيقة.

ويقدم الكاتب بورتريه لبدوي حلّ عليهم ضيفاً في غياب أبيه، وهي صورة نفسية، فيصف هيأته المشدودة الرشيقة و«جلسته الطارئة القلقة... كانت ثمة حاجة أشبه بلوعة صغيرة تحبس أنفاسه، وتلوح مثل غيمة خفيفة ساكنة على محياه» (ص:11).

وبعد ذلك يرسم شخصية أبيه الذي لم يسعفه الوقت، ليتملى به ويتشرب من خصاله، ويتعلم منه أو يفهمه أكثر، فهو «ظهر وغاب كما الحلم القريب البعيد، كما كأس الماء تتهشم بين يديك الصغيرتين قبل أن يروي ظمأك» ص:35، ويختزل الكتل اللونية في وجه الأب بـ «ملامحه الغاضبة التي تشبه نسر كاسر» (ص:36).

ويختصر صورة الأم المفجوعة بزوجها من خلال دوائر النواح المتجددة، التي تسجر عصراً حين تحضر إحدى النساء، فينطلق النحيب من لحظة دخولها، وتتوالى مقطوعات اللوعة والبكاء المر، ويتابع الكاتب وقع النواح عليه، ويصوّر هذا السلوك حاضراً وضاغطاً على النفوس.

نظرة في الفواعل

نجد في المتون فواعل غير عاقلة، وقد منحها الكاتب دفقاً جمالياً، يضفي عليها مسحة من أدوار تفاعلية ضمن شبكة العلاقات، منها {كوخ المنحوش}، إذ جعل منه فاعلاً حيوياً، وفضاءً ترتاده شخصيات من مستويات مختلفة، وهو منسوج من القصب المضفور بشكل مربعات تتسم بالأناقة، تسمح للنسائم العليلة التي تتلهف لمداعبة نفوس الحاضرين، بعد أن تصافح مويجات النهر، الأمر الذي وصل بأحدهم أن يستعير من قاموسه السياسي وصفاً لهذا المعلم المغاير لما جبلوا عيله، وأطلق عليه مصطلح كوخ «برجوازي»..

تمازج في هذا الفاعل الانشراح الطبيعي مع صاحب الكوخ {المنحوش}، فهو فلاح واعٍ ومتحدث لبق، تتلهف الأسماع لتلقي أحاديثه الشيقة و{سوالفه} البليغة، فضلاً عن كونه مستمعاً شغوفاً لكل من يوجه له خطاباً أو سؤالاً يبحث عن إجابة.

كما جعل الكاتب من بطاقة الانتماء للحزب فاعلاً لافتاً، فقد أثارت تلك الورقة في نفسه كثيراً من الانفعالات حتى قبل أن تصل إليه. يتجلى هذا الاشتياق حين حظي بها ضمن بريد الحزب الذي أصبح بعهدة المنحوش، فيصور تلك اللحظة «الله وحده يعلم كم من محطات سفر شاق واجهت وتجاوزت هذه الورقة الصقيلة، التي لا تتعدى مساحة الكف حتى تصل بسلام إلى أقصى الجنوب» (ص:89).

ويغدق عليها من لهيب مشاعره، راسماً تصوره عن دلالتها «كانت ورقة ذات ملمس ورق نقد، تدعوك إلى الصدق.. وحب الوطن وغير ذلك من تعاليم صادقة» (ص:89).

وقد تعلق بها السارد روحياً، وكان يحرص عليها كثيراً، يتجسد ذلك في مشهد تهريبها عبر سيطرات التفتيش في مداخل المدن، فقد سعى لإخفائها في بطانه سترته بعملية أسهمت فيها شقيقته، وقد سطّر مفردات قلقه الذي تركز عند كتفه اليمنى حيث مكان البطاقة، وعيون التحري تفتش في الوجوه وتنقّب في الحقائب.

كذلك وظف الكاتب قطعة ملابس، ألا وهي قميص رجل كان يشارك الكاتب في بحبوحة السجن، فبعد أن أكرمه رجال الأمن بفاصل من التعذيب المتفرد تمزّق قميص صاحب السيرة، وظل شبه عار وجروحه تبتسم للرائي، فبزغ في تلك اللحظة القميص بغرابته ورمزيته، فهو يعود لشخص مهمّش يمتهن اللصوصية في المجتمع، لكن هذا الفاعل كسر المعايير الجامدة، إذ حمل رسالة إنسانية ولفت إلى جوانب إيجابية وبادرة تنطلق من مصدر غير متوقع، فهذا الرجل {النشّال} على بساطة وعيه؛ يدفعه وازع الإنسانية إلى الوقوف في صفّ رجل تهمته سياسية ومعارض للسلطة، فلا يتوانى عن الإقدام على تلك الحركة، ويجود بالقميص الذي أدى مهمة ظاهرية هي ستر شخص منتهك، ودل على روح التضامن والنقاء بعيداً عن شرور التسلط والطغيان.

اغتنى كتاب السيرة بوجود شخصيات أثّرت وتأثّرت بصاحب السيرة، منهم أصدقاء الطفولة وزملاء العمل ورفاقه في عمله السياسي، ونماذج من رجال السلطة والأمن الذين حققوا معه في زياراته الإجبارية للسجون والمعتقلات، كذلك المشتغلون في مجال الأدب والثقافة، وهؤلاء تفاوتت مساحة المتون التي شغلوها في كتاب السيرة، ومن الذين علقوا في ذاكرته، ويرافقونه حتى بعد فراقهم الدنيا صديقه الصدوق حسني الناشئ. 

المواصفات الروائية

ومن الشخصيات التي تتحلى بالمواصفات الروائية هي شخصية (المنحوش) الرجل الفلاح المبدئي الذي يتسم بصفات وكاريزما توحي بالقيادة والثقافة، ويمثل نقطة التحول بين الريف المتخلف والخطاب المنفتح على تطلعات تدعو إلى تغيير الواقع والارتباط الفاعل بالمدينة، كان فاعلاً مؤثراً في حياته بين أهله وناسه، وكذلك فاعلاً في مجمل العمل فضلاً عن علاقته الخاصة بـ (حنون).

ولم ينسَ كاتبنا جموع من مروا به من نزلاء السجون، وكذلك رفاقه في الحزب، وشخصيات عابرة بحضور داعم لمجمل علاقات السرد داخل سيرته الذاتية، وهذه الشخصيات حضرت في فضاءات متغيرة، منها ما هو معادٍ كالسجون والمعتقلات، ومجال العمل، وأخرى مصاحبة وحميمة مثل فضاء عمله في الشؤون الثقافية وجريدة «طريق الشعب»، وبعض أماكن السفر والاستجمام.

وأفرد صاحب السيرة لشخصية المرأة صاحبة نص (كرستال) اهتماماً لافتاً، لقد كانت عالماً قائماً بذاته في متون الكتاب، واتخذت من نفس الكاتب سكناً، فقد صورها الكاتب بكل حروف البهاء، وأسبغ عليها من وارف شجرة البلاغة لديه، استحضرها في السيرة وقد اكتنزت بجمال الروح والجسد، وشكلت معه ثنائياً بنَفَس واحد، إذ جعلته يكتشف شخصيته من جديد، ويشعر بالامتلاء من دفق عواطفها الصادقة تجاهه.

Provided by SyndiGate Media Inc. (Syndigate.info).

2026-05-04T20:06:14Z