إلياس حموي *
كما كان فلاديمير واستراغون ينتظران مجيء غودو على قارعة الطريق، مستندين إلى جذع شجرة في مسرحية «في انتظار غودو»، للكاتب الأيرلندي صموئيل بيكيت، كان أهالي قرية العادلية السورية ينتظرون مجيء حفيد سليم العادل، مالك قريتهم وشيخها الذي كان ولياً من أولياء الله الصالحين، ليوقظهم من سباتهم، ويعيد الحياة إلى القرية، التي احتلها عسكر النظام، بحجة حماية الحدود، وزرعوا أراضي زيتونها بالألغام، وحرموهم من زيته، فأصبح يتساقط على الأرض لوحده دون قطاف، يلمون بعض حباته خلسة، مخاطرين بحياتهم، فقد ينفجر لغم فيهم بأي لحظة، لكن غودو في المسرحية لم يأت بعد طول انتظار، بينما جابر جاد الله (تيم حسن) سيأتي إلى القرية، ويصبح اسمه سليم العادل المخلص، الذي تنتظره القرية.
كيف حدث ذلك؟
حدث لأن القدر قد تدخّل وحول حفّار القبور الدمشقي، والمجرم الذي قتل صهره العنصر في مخابرات النظام، بسبب تعنيفه الدائم لأخته وإذلاله له، إلى باشا كبير يملك قرية بأكملها، وولي من أولياء الله الصالحين مثل جده، كل هذا حدث في القطار الذي قرر الهرب فيه إلى مدينة أخرى بعد ارتكاب جريمته، فقد اختاره عوضاً عن الباص، كي لا توقفه حواجز النظام العسكرية، هو الذي أصبح مطلوباً، فكان القطار وسيلة العبور بين حياتين في زمن واحد، ففي مقطورته حدث التحول حين جلس مواجهة جابر المجرم، الذي لا تزال بقع الدماء على ثيابه نتيجة الجريمة، التي ارتكبها بمقص ومكواة شاب مغترب ثقيل الظل آتٍ من كندا اسمه سليم العادل (يحيى مهايني)، متجه إلى قريته الحدودية كي يبيع ميراثه، الذي تركه له جده، فيبادر بالتعرف على جابر، ينقذهم الأخير من الضرب من أحد ركاب القطار نتيجة غلظته، فيحبه سليم ويطلب منه أن يرافقه إلى قريته، ويعمل عنده مقابل أموال كثيرة، فيوافق جابر، لكن الحمار الذي كان متوقفاً في وسط الطريق إلى العادلية، واصطدمت به سيارة الأجرة، التي تقلهم، سيغيّر المعادلة كلها، لأن سليم سوف يموت ومعه السائق، وينجو جابر، ويقرر في هذه اللحظة سلخ جلده القديم كالأفعى حين تغيّر جلدها، كي يبدأ من جديد فيحرق هويته الشخصية، ويرتدي ملابس سليم، ويأخذ أغراضه دون أن يعرف ماذا ينتظره حين يصل إلى العادلية، التي تنتظره منذ سنوات.
الحدث المفاجئ
يكمل طريقه سيراً، فيتلقفه العقيد كفاح (فارس الحلو)، قائد ثكنة النظام العسكرية في القرية، ويوصله إلى منزله بسيارته الجيب، بعد أن عرف هويته ومن يكون، فتضج القرية بوصوله، وترتسم البسمة على وجوه نسائها ورجالها، الذين يتجمهرون أمام منزله في الصباح بانتظار خروجه، ويطلبون منه أن يؤم بهم الصلاة، مثلما كان يفعل جده، فيتقمص دور الإمام، لكن حدثاً مفاجئاً يؤرّق مضجعه، وهو وصول شهلا (نور علي)، أخت سليم الحقيقي، الذي مات في حادث السير، فيحاول الهروب، لكنه يفشل ويلاحقه العسكر، وأثناء هروبه يسقط في اسطبل يجلس فيه منير الحشاش (كرم شنان)، يعتبرها الأخير معجزة، حيث نزل عليه مولانا من السماء، ليقنعه أن يتوب عن شرب الحشيش، ويخبر أهل القرية بالحادثة وبتوبته، فيتأكدون أن سليم ولي من أولياء الله الصالحين، وتحدث على يديه المعجزات، وهو الذي سيحيي العادلية الميتة منذ سنين، لكن جابر يغرق في اللعبة، ويتماهى مع شخصيته الجديدة، فيغيّر لباسه الغربي، ويرتدي العباءة مثل جده، ويصبح مولانا.
عثرة وحيدة
تبقى لديه عثرة وحيدة، وهي ثكنة النظام العسكرية الجاثمة على صدور أهل القرية منذ سنوات، فيعقد صفقة مع العقيد كفاح تنزع بموجبها ألغام أراضي الزيتون، ويعاد قطفه ويعصر، ويعود الزيت للتدفق في القرية، والماء في عروق أهلها، فمثلما كان النظام السوري البائد متحالفاً مع السلطة الدينية لإضفاء شرعيته، هكذا تحالفت السلطة الدينية في العادلية مع سلطة العسكر لإسكات أهل القرية وإلهائهم بالعمل، لكن صمتهم لن يدوم طويلاً، وسيثورون ذات يوم على هؤلاء العسكر، فكنا إذا أمام شخص ذي تاريخ إجرامي، يتحول بين ليلة وضحاها إلى بطل شعبي وولي من أولياء الله الصالحين، يقدسه الناس، ويحلفون باسمه، ولم يولد هذا التبجيل من فراغ، إنما من اليأس والقمع والاستبداد، الذي عانوه من سلطة العسكر المجرمة، فيلجؤون إلى أول شخص يصادفونه كي يخلّصهم من هذا الطغيان، وحال العادلية، هذه القرية الحدودية، يشبه حال أي بلد عانى من نظام استبدادي دكتاتوري خنقه وجعله تواقاً للخلاص بأي ثمن، مهما كانت ضريبة هذا الثمن.
عين موهوبة
قدّم لنا المخرج سامر برقاوي بعينه الموهوبة المتمرسة قصة مولانا بلقطات عامة، تظهر جمال القرية ومهابة ثكنتها العسكرية، ولقطات متوسطة ومنخفضة تظهر قوة مولانا، مع لقطات قريبة وإضاءة جانبية، تظهر غموض العقيد كفاح، مع اهتمامه بالألوان كعادته، والملابس التي تناسب الشخصيات بتصميم الموهوبة رجاء مخلوف، مع ألحان موسيقى آري جان المتناغمة مع روح العمل، فكنا أمام عمل متكامل فنياً، ولكن لم يفتنا أن نلاحظ السأم على أداء تيم حسن - رغم فكاهته الدائمة وتقليده لشخصيات مشهورة كياسر العظمة وبشار الأسد، وإشارته إلى شخصية مسلم في باب الحارة - ورغم ذلك نلاحظ أنه ملّ من التمثيل، أو أنه أرهقه بعد كل هذه الأدوار التي قدمها في السنوات العشر الأخيرة، وجعلته النجم الأغلى أجراً عربياً والأول سورياً، كما لم يفتنا أن نلاحظ الأداء المميز للفنانين الجدد، كالفنان كرم شنان ونانسي خوري، أما القديرة منى واصف فازدادت توهجاً في العمل، ونور علي أضفت خفة محببة عليه، ولا نعرف إذا كانت الشراكة الناجحة بين تيم حسن وسامر برقاوي ستستمر في العام المقبل، ويقدمان ما سيبهر الناس ويصبح حديثهم، رغم أن سوية هذه الشراكة في مرحلة انخفاض تدريجي، بعدما كانت ذروتها في مسلسل تاج، الذي قدماه في عام ٢٠٢٤، فلننتظر إذاً لنرى.
* كاتب وناقد فني سوري