تيجان على الرؤوس.. ورؤوس بلا تيجان!

حين كان الأجداد يخرجون من بيوتهم صباحاً، لم يكونوا يضعون الغترة والعقال على رؤوسهم بوصفهما قطعة لباس فحسب، بل كانوا يرتدون تاريخاً كاملا، كانت الغترة عنواناً للهيبة، والعقال رمزاً للوقار، وامتداداً لصورة الرجل العربي التي تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل.

واليوم وأنت تتجول في الأسواق أو المجمعات أو حتى بعض المناسبات الاجتماعية، ستجد مشهداً مختلفاً، شباباً عرباً كثيرين تركوا ما كان آباؤهم يعدونه تاجاً للرأس، واستبدلوه بأزياء لا تعبر عن بيئتهم والموروث الذي نشأوا عليه وأصبح البعض يفضل الخروج مفرع الرأس حتى في أماكن ومناسبات جرى العرف فيها على ارتداء الغترة والعقال، وليس المقصود هنا انتقاد أحد أو مصادرة حقه في اختيار لباسه، فلكل إنسان حريته وذوقه، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف تتخلى أمة عن بعض أبرز رموز هويتها بينما تتشبث الأمم الأخرى بكل ما يميزها؟

العجيب أن شعوب العالم تتفاخر بأزيائها التقليدية وتقدمها في المحافل الدولية بوصفها جزءاً من شخصيتها الوطنية بينما نجد بعض أبنائنا يظنون أن التخلي عن الزي العربي نوع من الحداثة أو مواكبة العصر واستبدال الموروث بالمستورد، مع أن التجارب العالمية تثبت أن الأمم الواثقة من نفسها هي التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، لا التي تهدم الأولى بحثاً عن الثانية. والغترة والعقال لم يكونا يوماً مجرد مظهر، بل كانا جزءاً من حياة رجال صنعوا من البساطة هيبة لا تُشترى، أذكر مقطعاً قديماً شاهدته لشاب وقف امام رجل كبير بالسن مفرع الرأس فخجل الشاب واعتذر من وقوفه كاشف الرأس فبادره الشايب برمي غترته حياءً وتقديراً ورفعاً للحرج، وفي موقف آخر مختلف في إحدى المناسبات الاجتماعية رمى فيها رجل عقاله، فعلق احد الشباب «هاللي قط شماغه وعقاله وش يبي»، فأجابه شاب مبتسماً «غسيل وكوي مستعجل»، وبين المشهدين تتجلى نظرة الناس المختلفة لما تمثله الغترة والعقال من رمزية تتجاوز حدود الملبس بين مقدر وبين مستهتر، ومن يتأمل الصور القديمة لرجالات الجزيرة العربية يدرك أن الوقار لم يكن في الثوب وحده، بل في الشخصية التي حملته، غير أن الغترة والعقال كانا أيضاً جزءاً أصيلاً من الصورة الكاملة للهوية.

ومن الإنصاف أن نقول إن الذوق العام ليس قالباً واحداً في كل زمان ومكان، بل هو ابن بيئته ومجتمعه، فما يُستغرب في مكان قد يكون مألوفاً في مكان آخر، وما يعد لائقاً في زمن قد لا يكون كذلك في زمن مختلف، فهناك مناطق لا يزال أهلها يستغربون خروج الرجل مكشوف الرأس، ويرون في تغطية الرأس جزءاً من اكتمال الهيئة والوقار، وفي المقابل توجد أماكن أخرى لا تعير ذلك اهتماماً كبيراً، وهناك مجتمعات ينظر فيها إلى الجينز على أنه لباس يومي اعتيادي، بينما تفضّل مجتمعات أخرى الثوب أو الزي التقليدي في معظم المناسبات.

ولهذا فالقضية ليست قضية زي بعينه، ولا ثوب أو جينز، بقدر ما هي قضية فهم للهوية واحترام للعرف الاجتماعي والذوق العام، فاللباس لغة صامتة، يعبر بها الإنسان عن انتمائه، كما يبعث من خلالها رسائل عن نظرته لنفسه ولمجتمعه، وفي هذا السياق دار بيني وبين أحد الزملاء نقاش حول مدى أحقية الموظف في الحضور إلى مقر عمله متخلياً عن الزي الرسمي، وأعتقد أن المظهر جزء من شخصية الموظف العام وصورته المهنية، وأن المحافظة على الصورة تعزز احترام المراجعين للجهة ومنسوبيها، ولذلك فإن بعض الأمور لا يمكن النظر إليها دائماً باعتبارها شأناً شخصياً خالصاً، بل هي جزء من الذوق العام والهوية.

ولعل ما يؤكد أهمية الصورة الرمزية للمؤسسات ما أذكره إن لم تخني الذاكرة ما قام به المرحوم وزير الإعلام الأسبق محمد السنعوسي حين تولى حقيبة الإعلام، إذ أصدر قراراً يقضي بالتزام جميع الموظفين بالحضور إلى أعمالهم بالزي الرسمي، انطلاقاً من قناعته بأن المظهر العام جزء من هيبة المؤسسة واحترامها.

وقديماً قيل إن الناس أبناء بيئاتهم، ولذلك ظلت الأعراف الاجتماعية أحد أهم العناصر التي تشكل صورة المجتمعات وتحفظ خصوصيتها، فالإنسان الحكيم لا يرى في المحافظة على رموز هويته تعارضاً مع الانفتاح على العالم، بل يرى أن الاعتزاز بالجذور هو ما يمنح الأغصان القدرة على التمدد والثبات.

أذكر أن أحد كبار السن قال يوماً: «إذا ضاعت علامات الطريق ضاع المسافر»، ولم يكن يقصد الطرقات، بل كان يقصد علامات الهوية والانتماء، فالإنسان يعرف نفسه من خلال ما ورث.

طلال مطر الوردان

Provided by SyndiGate Media Inc. (Syndigate.info).

2026-07-08T20:06:16Z