رائعة معروف الرصافي

يعد الشاعر العراقي معروف الرصافي أحد أبرز شعراء النهضة العربية الحديثة، ولد في مدينة بغداد عام 1875 ميلادية وتميز شعره بالنزعة الإصلاحية والاجتماعية التي جعلته قريبا من هموم الناس وقضاياهم اليومية واتخذ من الشعر وسيلة للدفاع عن الفقراء والمحرومين والكشف عن مظاهر الظلم الاجتماعي. من قصائده المشهورة والتي كتبها حسب ما ذكر أيام الاستعمار البريطاني كانت قصيدة «يا قوم لا تتكلموا» وهي قصيدة سياسية ساخرة ينتقد فيها الأوضاع السياسية آنذاك في العالم العربي والاستبداد السياسي وإسكات الأصوات المعارضة.

من أبياتها:

يا قوم لا تتكلموا إن الكلام محرم

ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم

وتأخروا عن كل ما يقضي بأن تتقدموا

ودعوا التفهم جانبا فالخير ألا تفهموا

وتثبتوا في جهلكم فالشر أن تتعلموا

أما السياسة فاتركوا أبدا وإلا تندموا

إلا أن من أشهر وأروع قصائد معروف الرصافي الإنسانية والتي درست في المدارس العربية ومنها مدارس الكويت فهي بلا شك قصيدة «الأرملة المرضعة» والتي جسد فيها معاناة الفقراء والأرامل بأسلوب مؤثر جعلها من روائع الشعر الاجتماعي العربي.

تقول الرواية عن سبب القصيدة أن الشاعر العراقي «معروف الرصافي» كان جالساً في دكان صديقه يتحادثان.. وإذا بامرأة محجبة يوحي منظرها العام بانها فقيرة تحمل صحناً وطلبت بالإشارة من صاحب المحل أن يعطيها بضعة قروش كثمن لهذا الصحن..

ولكن صاحب الدكان خرج إليها وحدثها همساً فانصرفت المرأة الفقيرة..

فاستفسر الرصافي من صديقه عن هذه المرأة، فقال له إنها أرملة تعيل يتيمين وتريد أن ترهن الصحن بأربعة قروش كي تشتري لهما الخبز، فقام الرصافي ولحق بها وأعطاها اثني عشر قرشاً وهو كل ما يملكه الرصافي في جيبه، فأخذت السيدة الأرملة المال وأرادت إعطاءه الصحن فرفض الرصافي وعاد الى دكان صديقه وهو شديد الحزن والألم.

عاد الرصافي إلى بيته وهو مهموم ولم ينم حتى كتب قصيدته الخالدة والتي تعد من روائع الشعر العربي في عصر النهضة وتمت ترجمتها إلى اللغتين الفرنسية والانكليزية.

تقول القصيدة:

لقيتها ليتني ما كنت ألقاها

تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها

أثوابها رثّة والرِّجل حافية

والدمع تذرفه في الخد عيناها

بكت من الفقر فاحمرت مدامعها

واصفرّ كالورس من جوع مُحيّاها

مات الذي كان يحميها ويسعدها

فالدهر من بعده بالفقر أشقاها

الموت أفجعها والفقر أوجعها

والهم أنحلها والغم أضناها

فمنظر الحزن مشهود بمنظرها

والبؤس مِرآة مقرون بمَرآها

تمشي وتحمل باليسرى وليدتها

حملا على الصدر مدعوما بيمناها

تقول يا رب لا تترك بلا لبن

هذي الرضيعة وارحمني وإياها

كانت مصيبتها بالفقر واحدة

وموت والدها باليتم ثنّاها

هذي حكاية حال جئت أذكرها

وليس يخفى على الأحرار مغزاها...

قصيدة «الأرملة المرضعة» من قصائد الأدب العربي الحديث جمعت بين الجمال الفني والرسالة الإنسانية، استطاع فيها الرصافي أن يحول مأساة فردية إلى قضية إنسانية عامة تلامس الواقع وتعبر عن أحوال الناس وآلامهم، ولا تزال هذه القصيدة تحتفظ بقيمتها الأدبية والإنسانية ليومنا الحاضر. 

فيصل محمد بن سبت 

Provided by SyndiGate Media Inc. (Syndigate.info).

2026-06-24T21:06:16Z